news general topic

Saturday, October 2, 2010

عن هاني الهوائي


تنبيه: كتبت هذه القصة في ظروف حزن خاصة

*

لم أعرف لأبيه اسما .. هو هاني فحسب .. وجدته حينما وجدني وعيي .. كنت صغيرا .. غلاما ملئ بكل شئ ماعدا الاستكانة الي غرفته .. و الكف عن الحركة .. و كان دائما حولنا .. كنا نلهو عند أطراف الشارع فوق الرصيف .. و على جوانبه حيث الشجر .. و في مدخل عمارتنا الفسيح الذي كان يسمح بالركض .. كنا نتخذ من أي شئ مصدر للعب .. السيارات نختبئ تحتها .. المارة نقذفهم بالحصي و نختفي .. الشارع نسقطه بأكياس المياه .. الأسانسيرات نتقافز بداخله وهو يتحرك .. ملابسنا نجذب بعضنا منها حتي تستطيل .. أجسادنا نمرغها في تلال الرمال .. أقدامنا نغوص بها في الطين .. لم نعدم وسيلة لتحويل كل لحظة الي مرح .. و كان هاني حولنا .. كان في عمرنا .. تتوسط وجهه ابتسامة بلهاء .. هي مزيج من خبله الذي ينعكس على سمته المنغولي و براءة مشوبة بحسرة لعلمه أنه لن يشاركنا .. كنا نلهو حوله .. اعتدنا وجوده .. و لكننا كنا نعامله كالهواء .. نجري فنتفاداه و لا ننبس بشئ كأنه غير موجود .. اذا اعترض طريق لهونا بالصدفة أشحنا وجوهنا و أمسكنا قهقهاتنا حتي يبتعد .. لماذا .. لم نكن ندري .. ربما لأن الشارع بأكمله يعامله مثلنا .. فلم نعلم وسيلة أخري .. و لكنه كان دائما هناك .. حولنا .. بابتسامته البلهاء

و كانت أكثر الأوقات سعادة عندما كنا نتلاقي و نذهب جماعة الي حديقة قريبة في شارع جانبي هادئ نتضاحك و معنا كرة .. نصل الي المساحة الخضراء التي أفلتت من اهتمام المحيطين بها و نتراكل بالكرة .. منا من كان يخلع حذاءه و يلعب حافيا .. و منا من كان يرتدي الحذاء المخلوع بدلا من حذاءه .. و منا من كان يروق له أن يرتدي جوربه فوق الحذاء .. و منا من لم يكترث بما في قدميه طالما أن الكرة تحسن النط .. كنا ننقسم لفريقين في عجل .. و حارس مرمي مشترك يتبرم من وقفته .. يولينا ظهره و يرمي الكرة في الهواء خلفه .. نهرع اليها .. نتصادم .. نسقط .. ننهض .. نجري .. نسدد .. نهنأ .. و هكذا دواليك حتي تنسحب الشمس و لا نعود نستطيع رؤية الكرة .. نزحف عائدين الي منازلنا و قد تلطخنا بالأتربة و الأوساخ و العرق .. و ربما حظي أحدنا بمزقة في ملابسه .. أو احمرار في جوارحه .. أو بقع دم على ساقه .. كنا نحتفل بأكثرنا تهديفا و نحن عودي .. و نسخر ممن لم يحرز هدفا .. كنا أحيانا نتلاكم و أحيانا أخري نتخاصم فيسير كل منا في طريق .. رغم أننا نقصد نفس الشارع و العمارة .. و اذا كان متوفرا معنا سيولة مالية من القروش كنا نعرج على الكشك القريب و نتلذذ بلحس الآيس كريم أو مضغ رقائق معلبة .. كنا نقوم بكل هذا بصفة دورية .. و في كل هذه الأثناء كان هاني من حولنا .. كان يتبعنا اذا سرنا .. يشاهدنا اذا لعبنا .. يضحك اذا هدفنا .. يحزن اذا تخاصمنا .. يبتهج اذا أكلنا .. ثم يعود لبيته قرير و كأنه استنفد طاقته في اللهو معنا .. و ظللنا نتجاهله عمدا .. دون سبب مقنع .. و كان دائما هاني حولنا .. بابتسامته البلهاء

و في يوم كنا في غاية الحبور .. ربما كان عطلة من المدرسة اذ كنا نلهو طيلة اليوم .. منذ اللحظة التي تلحفت السماء فيها بنور الصباح الخابي .. و كان ختام اليوم قبيل الغروب بسويعة عند الحديقة الخضراء .. معنا الكرة و مازلنا نريد اللهو .. و كان هاني حولنا .. لسبب لم أفهمه حتي الآن أخبرت أصدقائي أن يشاركوه معنا في اللعب .. رفضوا مندهشين من طلبي .. فرحت ألح عليهم أن يشاركنا ولو مباراة واحدة .. بدأوا ينزعجوا مني .. و كأني أتيت باقتراح يضرهم .. بحثت عن سبب يقنعهم .. فاستدللت بأمهاتهم اللواتي دوما يحذرونهم من الاقتراب من هاني .. فقلت باستهانة أني سأجعله في فريقي .. و لتصنع أمي ما شاءت .. فلان اعتراضهم .. شرعت في الاقتراب منه .. كان يحدق فينا كعادته .. داخلني شعور غريب و أنا أسير ناحيته .. لم أستطيع تفسيره .. و لكنه كان بلا شك يناسب هذه البداية العابرة التي لن تنتهي .. بدأ يدرك أني أخطو ناحيته .. لم يبدي قلقا او اعتراضا او حتي ترحاب .. نفس الابتسامة البلهاء .. و لكني عندما اقتربت و رأيت عينيه عن قرب .. اجتاحتني راحة قوية .. راحة كتلك التي أشعر بها عندما أتوعك و تحاصرني الحمي و أستسلم لصدر أمي .. راحة كتلك التي أختبرها عندما يفرح بي أبي و ينزل ليكافئني بهدية .. راحة كتلك التي تأتيني عندما يضمنا أنا و أختي الصغيرة و أخي الأكبر سرير واحد و ننهال على بعض زغزغة .. و وجدت هذه الراحة مغلفة ببراءة نقية تزيد من الراحة .. اقتربت منه حتي وقفت أمامه و دعوته للعب معنا .. وافق على الفور كأنه يزاملنا يوميا .. وددت لو أمسكت بيديه و نحن نعود الي أصدقائي .. و لكني خشيت من سخرية أصدقائي .. وصلنا اليهم .. أدخلته فريقي .. شملنا صمت في بادئ الأمر .. حتي مر الوقت و اعتدنا وجوده و ربما أدركوا أنه لا يعوي و غير مخيف كما كانوا يوقنون من قبل .. و عادت ضجتنا تعلو و اندمجنا في ركل الكرة و الركض وراءها .. لم يبلي بلاء حسنا في اللعب و لكن ما الضرر .. لسنا محترفين على أية حال

و استمر الحال على هذا الوضع الحديث .. نلعب كيفما شئنا .. و عندما نهم بالكرة الي الحديقة الفسيحة .. أدعوه للمشاركة .. و بات وجوده أثناء لعب الكرة غير مريب .. كان وديعا على أي حال .. دائم الابتسام .. و يقهقه أحيانا .. و لحظت أن معظم قهقهاته كانت تنبعث عندما أمرر له أنا بالذات الكرة .. لم أشأ أن أقف عند هذه الملحوظة كثيرا .. هل كان يدرك دوره القادم في حياتي و أنا لا .. ربما .. و حل يوما .. لم يكن كسابقه .. الأحري .. أنه منذ هذا اليوم تبدل كل شئ في حياتي .. كنت على مشارف التخرج من المدرسة .. شببنا و أصدقائي .. و شب معنا هاني .. و الحق يقال أن بعض من الاصدقاء ازدادوا احترافا .. و منهم من ازذاد ازدراءه من قليلي المهارة منا أيضا .. و كان منهم أحمد .. في هذا اليوم .. نزلت كعادتي قبيل الغروب و في قدمي حذائي المخصص للكرة مرتديا الشورت المخصص أيضا .. و هبط الي شارعنا .. و رأيت قطة صغيرة تتحرك بمهل .. و تموء في صوت رفيع بلا انقطاع .. كانت تسير وراء كل مار قليلا .. حتي أبصرتني .. فاذا بها تتبعني .. و تموء و كأني أخفي عنها ثدي أمها .. قصدت الحديقة بلا اكتراث لها .. و كنت أعبر طريقا عموميا أثناء سيري .. فاذا بالقطة تتبعني أيضا .. و فجأة انقطع موائها .. فضولا نظرت خلفي .. فاذا بها مدهوسة .. جزء من رأسها و جسدها مهشم اثر عجلة لم تلتفت لوجودها .. انقبض صدري شدة .. و كانت أول مرة أري فيها دماء .. كان خيط رفيع يسيل من رقبتها .. ارتبكت و انقبض صدري أكثر .. قررت الابتعاد و بداخليالقسوة شعور بالذنب فظيع .. و ركضت الي حيث الحديقة لأسرع بتناسي ما حدث .. كانوا ينتظروني و كان هاني معهم و كانت كرة أحمد يومها .. أعرضت عن سرد ما حدث .. رغم أنها ستكون لهم حكاية مشوقة .. لم أدري لما .. قررت الانخراط في اللعب .. و نسيان هذه الوفاة .. انقسمنا فريقين و كنا أنا و أحمد و هاني في فريق واحد .. و بدأنا اللعب .. و سحب انتباهي بالكامل في اللهو .. و في احدي الهجمات لفريقنا مرر أحمد الكرة لهاني ليسددها في المرمي و كانت فرصة سانحة .. و لكن عندما وصلت الكرة لهاني و عندما تهيأ لها هاني برفع ساقه .. هوت على لا شئ .. أخطأ تقدير سرعتها .. فركل الهواء بعزم قوته حتي سقط على ظهره .. و مع ذلك سقط يضحك .. و ضحكنا عليه .. كلنا ما عدا أحمد .. الذي كان يضمر لهاني غيظ شديد .. نهض هاني و هو يبادلنا الضحك .. ثم أشرف عليه أحمد بمنتهي البرود .. و فجأة بصق أحمد على وجه هاني بصقة رأيناها جميعا .. وقف لعاب أحمد ثانية على جبين هاني .. ثم انزلق بلزوجة على حاجبه الأيسر .. لأول مرة نري الحنق على وجه هاني .. يبدو أنه غضب بشدة .. أعطي أحمد نظرة شديدة القسوة .. حتي أن أحمد ندم على فعلته و خشينا جميعا أن يتحول هاني الي المسخ المفترس الذي حذرتنا أمهاتنا منه .. و لكنه في حركة أسد هائج استدار منصرفا .. و كأنه ليملك غضبته عليه أن يمضي و الا كشر عن أنيابه .. خافوا جميعا من السير وراءه .. و بعضهم قرر ألا يعود لبيته خشية أن ينال منهم هاني بغتة .. و لكني لسبب مبهم .. ألفيت نفسي ألحق به .. لأعتذر له ربما .. لأجعله يعود .. ربما .. و لكن أبدا لم أتوقع ما شاهدت .. عندما جذبته من ذراعه ناحيتي .. وجدته يبكي بحرقة بصوت خافت .. و أفلت يده من يدي بقوة بنظرة ترجوني أن أدعه يمضي لينتحب .. أعدت امساكه .. و نظرت له بعطف كبير .. كان يبكي بدموع منهمرة .. ربما كان أمامنا أسد هائج .. ربما كان للشارع بمثابة المسخ .. و لكنه حتما بالغ البراءة و الطيبة .. تعمدت أن أشده بكل ما أوتيت من قوة حتي عدت به الي الاصدقاء .. و هذه المرة لم أمنع نفسي بامساك يديه و انا عائد اليهم .. وصلنا لهم و قد جفت دموعه و تلاشي بكاءه الا من احمرار خفيف في وجنتيه .. و عادت الابتسامة لتستقر على وجهه كما كانت .. و كان ينظر الي بين الحين و الآخر بامتنان .. وصلنا اليهم و أنا أصيح "خلاص هاني الهوائي سامحكو" .. أطلقت عليه الاسم الذي لم ينمحي من وعيي أبدا .. و تم تداوله في المنطقة لفترة حتي أطلق عليه اسم آخر .. لم يفهم أحد ماذا جري بيننا .. و لم يعلم أحد أن هاني بكي بحرقة بين يدي و أني أنا الذي كفكفت دمعه سوايا و هاني و الله في علياءه .. استكملنا اللعب بعد ذلك بلا أدني مشكلة .. الا أنه منذ هذا اليوم كف عن المشاركة معنا و بات يشاهدنا فحسب .. و كلما دعوته رفض شاكرا و اكتفي بالفرجة و التهليل كلما قمت بحركة جيدة .. و أخبرني أصدقائي أنه منذ ذلك اليوم أيضا اذا لم أكن معهم في اللعب لا يجدوا هاني واقفا للمشاهدة .. لم أعلق .. و لم أفهم .. و تجاهلت الأمر

تخرجت من المدرسة .. و بدأ القدر في ازاحة السلام عن أفقي .. قضي على أبي كبده .. و دفناه بالأسي .. توفيت أمي و أختي في حادث مروري مروع على طريق الدائري بلا أي جريرة .. دفناهم بالمرارة .. و عندما مال قلبي الي فتاة في الجامعة و احتفلنا بخطبتنا في سويعات وردية سلبت مني بحادث آخر على الأوتوستراد .. دفناها .. اشتد الحزن على أخي الأكبر حتي عقد عزمه على ترك البلد .. و راح يبحث وراء الهجرة .. و لضيق الموارد المالية توجه الي وكلاء مجهولين .. و عندما تسنت فرصة للهجرة الي أوروبا .. ودعني بعناق حار و وعدني بأن يسارع بتوفير فرصة لي لألحق به .. و عندما خرج .. سمعت خبر وفاته من كافة وسائل الاعلام .. غرق بصحبة سباب فار .. و لم أتمكن من دفنه .. ثقلت على الأيام .. و جثم على هما لا ينقطع .. كلما نسيت واحدا تذكرت الآخر .. و كلما تخللت أيامي بصيص سعادة وافي يوم وفاة أحدهم .. بدأت طفلا متعبا .. و انتهيت الي شاب يتيم لقيط وحيد بلا ونيس و متعب .. العجيب أن هاني كان دائما هناك .. كان دائما موجود كلما نزلت .. كنت أذهب للمدرسة في الصباح .. فأجده لابث تحت بيتي و كأنه ينتظرني .. في عينيه احمرار و رغبة شديدة في النوم .. و لكنه كان دائما هناك .. بابتسامته البلهاء .. يصافحني و يقبلني .. ثم يربت على صدري في عنف لا يدركه .. اعتدت الألم .. كبر هاني أيضا .. و انقلب بنيانه الي الصلابة و القوة .. عندما كنت أذهب للجامعة .. كنت أراه عند ناصية الشارع .. يلوح لأي ميكروباص ليركبه .. و لكن بالطبع لم يكن أحد يعيره انتباها .. و اذا ما توقف أحد له عن طريق الخطأ غير مدرك لمنغوليته .. نهره بشدة و سبه ثم انصرف عنه .. المواعيد في الجامعة غير منتظمة .. و لكني كنت كلما نزلت وجدته .. يصافحني و يقبلني و يبرت على كتفي بقوته التي لا يدركها .. كانت لحظات هانئة عندما كنا نتحدث .. و كنا نتحدث كل صباح .. أنهي عامين في دبلوم و راح يعمل في مجال الرخام .. شكا لي عن البياض الذي يغمرهم عند العمل و قسوة مديره عليه .. أروح عنه و أداعبه باسمه المفضل .. يبتسم أكثر .. ثم نفترق كل الي طريقه .. تفرقت و أصدقائي كل في جامعة أو في كليات مختلفة .. و انفتحت أمامنا صداقات جديدة أكثر اثارة من الوجوه القديمة .. هكذا لم أعد أري أحد من الرفقاء القدامي .. أما الأهل و الأقارب فلهم همومهم و مشاكلهم التي لا تنتهي و لا تهدأ واذا تذكرني أحدهم في رمضان اعتبر نفسي محظوظا .. و هكذا أصبحت أعيش في شقة وحيدا .. كنت كلما حل الليل و دلفت الي فراشي أفكر في الهجرة .. و أخذت أخطط لسبل جني المال الذي ييسر لي سفر آمن .. كل ليلة .. الا أن أنني دائما أتراجع .. لماذا لم أعرف .. و كنت أتعجل النوم .. لماذا أيضا .. لم أعرف .. و لكني دائما كنت أستيقظ و يقيني أن هاني ينتظرني لأتواصل مع الانسان الوحيد الذي مازال يذكر اسمي و يردده فرحا .. لقد كان موجودا أيضا في كل الأيام التي دفنت فيها أهلي .. كيف لم أدري .. و عندما رحل أخي بلا دفنه عانقني بحنان .. و لم أعلم كيف عرف .. هل هاني متابع لنشرات الأخبار .. ربما

توالت الأيام .. بطعم العلقم .. جدران صامتة .. و نفس عازفة .. و رأس تعتصره ذكريات .. أطعم نفسي عندما تنبح معدتي .. أنظف الشقة كلما رأيت جماعات النمل تمرح في أكثر من غرفة .. أحيانا أشاهد التلفزيون .. و أحيانا أخري لا أهتم أصلا بدفع فاتورة الكهرباء و أقضي الليل من أوله في سبات متقطع .. كنت أحيانا أتضرع الي الله أن يخفف عني .. و أحيانا أخري كنت أشتري زجاجات بيرة و أنسلخ عن نفسي في نشوة السكر .. لم أعد أتابع الدنيا من حولي .. نشبت حروب و اغتيل سياسيون و أنا في فراشي أعرق و أنانم نوم متقطع .. تركت لحيتي و أهملت هندامي .. نحفت و اكتسي وجهي بحزن مقيم .. لم أعد أنتظم في الصلاة الا عندما دألح على هاني أن نصلي سويا كل يوم .. و كنا يوم الجمعة بعد الصلاة نذهب الي الكشك القديم و نشرب ما يحلو لنا و نتسامر .. ثم نفترق .. تلخصت حياتي في الدراسة صباحا و مقابلة هاني دقائق قبلها .. كانت هذه حياتي

و في آخر عام من دراستي الجامعية .. كنت أنزل مبكرا و لكني لم أكن أجد هاني كعادته .. مر يوم و اثنان و ثلاثة و أسابيع .. ولم يظهر .. انتابني ضيق شديد .. حتي أنني في يوم ألفيت نفسي أستيقظ منذ الفجر و أربض تحت عمارتي منذ سطوع أولي خيوط الشروق حتي الغروب .. لعله يأتي في ميعاد مختلف .. لعله يعبر الطريق .. لعله أي شئ .. و لكنه أبي أن يظهر .. نما بداخلي جنون .. في اليوم التالي لم أذهب للجامعة أيضا و لكني جعلت أطوف في المنطقة بحثا عنه .. عند المساجد القريبة .. ناحية الحدائق .. في الميادين .. بين الشجر .. تحت السيارات .. لم أعثر له على أية أثر .. في اليوم التالي ذهبت للجامعة و أقسمت ألا أعود بيتي الا و قد وجدته .. لم أستغرق الكثير .. عدت يومها و بوابي المنطقة يتداولون خبر وفاة الشاب المجنون .. رحل هاني الهوائي .. و دفنته

عدت الي بيتي و قدماي تستغيثان من حملي .. هويت على أقرب مقعد .. شعرت بظلمة كثيفة تحيطني .. ظلمة لم أشعر بها من قبل .. و استحالت أفكاري كلها سوداء .. و كنت أبلع ريقي بصعوبة فأجده مر .. و أفكر في الغد فلا أجد في بالي بارقة أمل .. يا ربي .. أهذا هو اليأس .. ربما .. حاولت أن أقوم .. و أستجمع قوتي .. غدا محاضرات مبكرة .. نمت كعادتي نوما متقطعا .. و ملأت الوسادة بالعرق .. و نزلت .. و عندما هبطت الي الطريق .. هالني الادراك المفاجئ أن هاني قد مات .. سقط على وهن كبير .. و سارعت بالصعود مرة أخري .. كنت على شفير البكاء .. و قدرتي على التماسك تتفتت .. خشيت أن أبكي قبل أن أصل الي الشقة .. صعدت بسرعة .. و أول ما فتحت الباب اندفعت أبكي بكل جسدي .. أغلقب الباب من ورائي و بكيت .. بكيت عند الباب .. و بكيت عند الصالون و بكيت عند غرفة المعيشة و بكيت عند كل غرفة و بكيت في الحمام و بكيت في المطبخ حتي استقر بي المقام عند فراشي .. رحت أبكي بصوت مرتفع .. و بدموع ساخنة .. تقلص وجهي .. و اهتصر فؤادي .. ما عدت قادرا على الوقوف .. تمددت على السرير و أنا أبكي .. و انسللت الي النوم رغم عني و حلمت أني أبكي .. ثم استيقظت و أنا أبكي .. لم أبكي بهذه القوة من قبل .. و لا في وفاة أحد من قبله .. و لا حتي بكائي في ليالي القدر عند القنوت .. كنت أبكي حتي أنني لم أعرف متي سأنتهي .. كان الألم عنيف .. لم يهجرني لحظة .. كأني كنت أنكر كل ما حل بي .. و صدقته في لحظة واحدة .. نعم .. كان لدي أب رؤوف انتزعه مني المرض .. و كان عندي ينبوع لا ينقطع من الحنان و أخت ورثت هذا الحنان دهمتهم العربات .. و كان عندي خطيبة تدخل على قلبي البهجة اذا رأيتها دهمتها هي الأخري عربة .. و كان لدي سند في هذه الدنيا و لكن مياه المحيط استأثرت بي .. و أخيرا كان لدي صديق يثلج صدري على الدوام .. منذ أول مرة رأيته فيها .. صديق هون علي كل الغوائل .. صديق .. و لكنه رحل .. سأرحل

لم يعد للبقاء مبررا ألبتة .. دبرت المبلغ المطلوب لسفر آمن .. حجزت لسفر على الجانب الآخر من العالم .. أناس ليسو مثلنا و لا يشبهونا .. هذا هو ما أريد .. أنهيت دراستي الجامعية و أريد أن أنهي صلتي بهذا البلد الملئ بالألم .. طيلة فترة التخطيط و التدبير كان النوم قد خاصمني .. أيام غير هينة لا أنام بالمرة .. كنت أخشي أن أنام و أستيقظ فلا أجد هاني ينتظرني .. حتي أن هالة سوداء ذيلت عيناي .. سكنني ارهاق ملازم .. و لكن الأيام انقضت و حان وقت السفر .. و ذهبت الي المطار قبل الموعد بساعتين كما تم تنبيهي .. و المطار فيه خلق كثير .. رائحون و غادون .. من شتي الألوان .. و تسمع في مكبرات الصوت أسامي مدن لم تعلمها من قبل .. و هناك لهفة في الوجوه .. المسافرين متلهفون للوصول .. و المستقبلون متلهفون لرؤية العائدون .. أنهيت اجراءات سفري .. و سلمت حقيبتي اليهم .. أمسكت بالتذكرة و توجهت الي مقعد قريب لأرتاح .. سأترك كل هذا بعد قليل .. سأرحل أنا الآخر .. ستشغلني عوالم جديدة .. و أحداث جديدة .. و وجوه جديدة .. ستتبخر الذكريات .. ستنقطع صلتي بكل ما هو ماضي .. المستقبل ينتظرني هناك .. كهاني الذي كان

لم أجد غضاضة في أن أستغل فراغ الوقت في سنة .. فأرحت ظهري على المقعد و افترشت ساقي على مقعد أمامي .. و أغمضت عيناي .. خطفني النوم .. و رأيت فيما يري النائم .. حلم عجيب .. أبي و أمي و أختي و أخي و خطيبتي عند الحديقة الخضراء .. يشاهدون أطفالا يلعبون الكرة و يصفقون لهم .. اقتربت كالسراب .. فرأيتني .. رأيتني طفل صغير كعمري في المدرسة .. مأخوذ مشدوه باللعب .. كنت ماهر فوق مستواي الذي أعرفه .. و مررت الكرة لطفل آخر .. كان هاني .. لا ببنيانه المفتول الذي أعرفه .. و كلن هاني الطفل .. مررت له الكرة .. و في حركة سريعة مهارية مثيرة رفع ساقه .. و سدد الكرة على المرمي .. و أحرز هدفا لم أري له مثيل في كل مباريات كأس العالم التي عرفتها .. ابتهجت بشدة .. وجدتني طفلا يركض ناحيته يعانقه بمنتهي السرور .. و أهلي و خطيبتي يصفقون في سرور مشابه .. ثم عندما أنهينا العناق وجدتني فجأة أفلت نفسي منه .. و أنصرف .. وجم أهلي و وجمت خطيبتي .. و بان عليهم حزن .. و وجدت هاني الطفل يسير ورائي طفلا .. جذبني من يدي .. فاذا بي أبكي بحرقة شديدة .. و أحاول الهروب منه .. لم يترك لي فرصة .. سحبني من يدي و أرجعني الي حيث يقف أهلي .. فرحوا بعودتي اليهم .. و التفوا حولي يعانقونني .. بادلتهم العناق باشتياق كبير .. و عندما التفت الي هاني وجدته يبتعد .. و يبتعد .. و على وجهه ابتسامة .. ليست بلهاء .. بل فيها امتنان .. شكرته و لوحت له حتي اختفي .. ثم صحوت .. قمت مرتبكا .. سألت عن طائرتي قالوا أنها رحلت .. اذا فاتتني رحلتي .. بمنتهي الهدوء انصرفت من المطار .. و ركبت تاكسي و توجهت الي الحديقة الخضراء .. و رغبة شديدة في النوم تفيض مني .. وصلت عند البقعة التي يعلمها هاني جيدا .. و بمنتهي الهناء تمددت على الأرض لأنام قليلا

Popular Posts

adf.ly

trafficrevenue

amung.us