news general topic

Sunday, September 5, 2010

عن نجيب محفوظ


و تحول الي أسطورة .. نجيب محفوظ عبد العزيز ابراهيم أحمد .. الذي كان يخطو على الأرض و يجوس الكورنيش و يمكث في المقاهي و يتحرش لفظيا برواد مقاهيه .. انتقل الي سماء الأسطورة و صار يسكن العظمة برحيله المختلف و أعماله العملاقة .. عاش انسانا أديبا مخلصا لقلمه و حصد في حياته ثمار عمله و خلف وراءه احترام كبير لقيمة الأدب المصري و لقيمة العمل .. من أرفع و أسمق القامات المصرية المعاصرة .. نجيب محفوظ .. الذي كانت ذكري وفاته الرابعة منذ عدة أيام حيث توفي 30 أغسطس 2006 .. جزاك الله خيرا و رحمك الرب

*

أكثر الكتاب تأثيرا في حياتي كان الدكتور مصطفي محمود و خاصة كتاباته المتصوفة ذات العبارات الحانية الرائقة التي تبث في القارئ حب شفيف للدين .. ثم احسان عبد القدوس الذي التهمت كتبه التهاما لسلاسة عباراته و انسياب كلماته و أثرها الجميل في النفس بغض النظر عن فكره .. ثم بعد أن حببني احسان في الأدب وجدت عوالم عدة من الأدب المصري كنت أخشي الولوج فيها .. فهناك عالم يوسف ادريس .. ذلك الكاتب المصري الشامخ .. عميد القصة القصيرة العربية .. و لكني عندما ولجته لم أجد صعوبة .. بل وجدت اثارة كبيرة و تحدي كبير في كلماته .. ثم عالم يحيي حقي .. ذلك المصري القصير المتفرنج .. و عندما دخلت عالمه فوجئت بموسيقي راقية في سطوره .. هو لا شك من أعذب الكتاب العرب بلا منافس .. ثم كان هناك عالم الطيب صالح .. ذلك الكاتب السوداني الغامض .. معظم صوره لا تعكس معالم وجهه فيها فيما يفكر .. و عندما غطست في عالمه خطفتني أمواجه .. فأقسم اني كنت أقرأ غير فاهم لكلمة من مواضيعه .. حتي الحوار عنده كان بالسودانية العامية .. و لكني آثرت أن أستمر لأن كتابته كانت آية في النعومة .. و عندما أتممت كل ما كتب انفتح لي عالمه و فهمت كل عبارة كتبها .. و استحق المكانة التي حازها في أفضل مائة كاتب على مستوي العالم في التاريخ .. رغم أن أشهر أعماله " موسم الهجرة للشمال " هي في اعتقادي أسوأ ما كتب .. ثم كان هناك عالم طه حسين .. الذي دائما ما أطالع الجفاف في صوره .. كلماته صعبة و سطوره منفرة .. الا انه لا شك قامة لا يستهان بها و أنا لازلت أخطو في عالمه .. ثم كان هناك عالم يوسف السباعي .. الكاتب المصري الوسيم الملقب بفارس الرومانسية .. كلماته رغم فصاحتها الشديدة الا انها في غاية الجمال و تتسم كل قصصه بالتناسق .. فكان لا شك رفيق لي في فترة كبيرة .. ثم كان هناك عالم توفيق الحكيم .. و كتبه الضخمة و أنا أخشي الكتب الضخمة .. لم أستسيغ كتاباته حتي الآن .. ثم كان هناك عالم نجيب محفوظ .. الاسم الرنان .. بعد أشهر كارثة على مستوي مصر الا و هي كتاب أولاد حارتنا .. حتي أنه صور لي في فترة أنه شيطان .. و أنه آثم .. و عندما طرقت باب عالمه .. اندهشت .. كان شديد الانتظام .. شديد البراعة .. متناسق لأقصي درجة .. واقعي الي أبعد صورة .. مصري الي حد عظيم .. تلهث وسط سطوره .. تتمني لو تنفصل عنه ثوان لتلتقط نفسك .. الصفحة الواحدة فيها من الأحداث ما يكفي كتب كاملة .. و فيها من اللغة ما يبهر أعتي الشعراء .. و فيها من الجمال ما يرضي احساسك .. تخرج من بين صفحاته بدهشة كبيرة .. فتنت به .. أبشر يكتب بهذا الأسلوب الصارم .. انه أشبه بمن طوع المياه فجعلها تقف و لا تنسكب .. انه عبقري .. انه دؤوب .. انه عملاق الأدب .. انه الراحل نجيب محفوظ

أسرني بكل معاني الكلمة .. فشرعت أقرأ عنه .. فجاءتني فترة من عمري كل ما كنت أقرأه كان أدب نجيب محفوظ مع سيرته الذاتية سواء بقلمه أو بقلم آخرين .. و الكل يكتب عن نجيب محفوظ .. و كنت ألتصق بالتلفزيون عندما يأتي فيه .. صوته هادئ و واضح .. فيه جد ولكنه لطيف تحب أن تستزيد منه .. كان لابد أن أقترب منه أكثر

نجيب محفوظ سمي باسم الطبيب الذي ولده .. الدكتور نجيب محفوظ القبطي .. سمي باسمه مركبا .. و كان الأخ الأصغر لمجموعة من الاخوة أقربهم اليه يفصل بينهم عشرة سنوات .. فعومل كالابن الوحيد .. كانت أمه مداومة على اصطحابه للمتحف المصري و زيارة قبور و آثار الفراعنة لسبب هو نفسه يجهله .. لذا لم يكن من العجيب أن تكون أول أعماله تخرج الي النور كتاب عن مصر القديمة مترجم .. ثم مجموعة من الروايات تدور أحداثها في زمن الفراعين .. تلك الروايات المقررة على المدارس .. كرادوبيس و كفاح طيبة .. نجيب محفوظ أمضي حياته كلها في مصر .. كان يسكن على النيل .. فوق مطعم نعمة بالدقي .. و تزوج متأخرا و أنجب فتاتين أطلق على احداهما ام كلثوم حبا في الفنانة .. بدأ نجيب محفوظ يكتب كتابات كثيرة على كراريسه و يمضي عليها بقلم الكاتب نجيب محفوظ .. و أنفق من وقته و ماله الكثير في قراءة القصص البوليسية في صغره .. التحق بعد ذلك بكلية الآداب .. و كان عميدها طه حسين .. و قرر محفوظ أن يدخل قسم الفلسفة .. و عندما ناقشه طه حسين في قراره .. رد محفوظ بأنه يريد أن يعرف سر الكون .. فسخر منه طه حسين و قال امثالك المفروض يدخلوا فلسفة .. و عندما تخرج كان على وشك أن يستكمل تعليمه العالي و شرع يحضر لرسالة الماجستير حول الجمال في الاسلام .. و لكنه و كما وصف وقع في حيرة كبيرة بين حبه الجارف للفلسفة و حبه الأجرف للأدب .. و يقول أنه ذات يوم حسم الأمر و قرر أن يكرس نفسه للأدب .. و منذ هذه اللحظة استقبل العالم الأديب نجيب محفوظ .. كان يكتب بيديه .. لعدد محدد من الساعات يوميا .. ليس كما يأتيه الالهام .. و لكنه يكتب ساعتين في اليوم و حسب .. و يقول حتي لو أراد أن يكمل في نفس اليوم و انتهت الساعتين فانه يتوقف و له تعليق أن جنون المبدعين يجب أن يكون تحت السيطرة .. و كان آية في السيطرة على نفسه .. و مع ذلك كان انتاجه موفق جدا .. و عندما توظف في المصالح الحكومية كان له جدول صارم جدا .. يستيقظ في الصباح .. يشتري جرائده و يقرأها على مقهي معين .. ثم يذهب لعمله .. ثم يعود لبيته .. ثم يكتب ثم يمضي شطر من الليل على مقهي آخر مع أصدقاءه .. ظل هذا النظام يلازمه طيلة حياته و حتي فترات قريبة من موته حتي أهلكته صحته .. حتي أن خبر فوزه بنوبل جاء في وقت قيلولته فلم يهتم و أكمل نومه و عندما استيقظ وجد حشد من الصحفيين يملأ شارع بيته

نجيب محفوظ معروف بلسانه اللاذع .. كان في شبابه ممن لا يصمد أحد أمامه في القافية .. كان ضخم عظيم الجثة .. حتي قضي على هذه الضخامة أمراضه و للأسف التمثال المعمول له عند ميدان سفنكس يصوره قصيرا هزيلا .. كان معروف أن نجيب محفوظ وقت الكتابة لا يكلم أحد .. حتي أنه قال ذات مرة أن الضيوف عندما يحضرون بيته كانوا يسلموا عليه سريعا و ينصرف عنهم لشئون أدبه و أصبح هذا الأمر معروف عنه .. لن أتحدث عن أعماله .. فهي محط أنظار العالم و محل دراسة العديد من رسائل الدكتوراه في جامعات الأرض .. و لكن سأتكلم عن تأثيره .. فعلى سبيل المثال .. بلد مثل المكسيك تأثرت بأدبه و حولت بعض أعماله الي أفلام مكسيكية خالصة .. نجيب محفوظ هو ظاهرة .. قبله كان الأدب المصري سيد و نجم العالم العربي .. أما بعد عام 88 عام حصوله على نوبل أصبح الأدب المصري محط أنظار العالم .. ترجمت أعماله الي العديد و العديد من اللغات .. توسعت دائرة مريديه و عشاقه الي بلدان الدنيا .. و أصبح يوم ميلاده احتفالا في عواصم كثيرة في العالم .. و احتلت كتبه أرفف كاملة في مكتبات أكثر دول العالم تقدما .. معروف عنه أيضا دقته الشديدة .. حتي أن من يجلس معه يستطيع أن يضبط ساعته على ميعاد شربه للسجائر فقد كان يدخن سيجارة كل ساعة .. و كان بلا عون برؤية ساعة يخرج السيجارة ليشعلها كل ساعة بمنتهي الدقة .. ملتزم بملابس شتوية معينة يرتديها معظم العام لمرضه و كان يلتزم بربط كل الازرار حتي أن تلاميذه مثل جمال الغيطاني يقلدونه في هذا الأمر .. في حياته صممت الجامعة الأمريكية في القاهرة جائزة باسمه و ينالها صاحب أفضل رواية عربية

الكلام عن شخص نجيب محفوظ لا يمكن أن ينتهي .. فتأثيره غاية في العمق .. بغض النظر عن دينه الا أنه كان شخصية لها ملامح عجيبة و صفات رائعة .. أصدقاءه من الحرافيش كانوا دائما ما يضحكون وسطه .. و كان حتما مؤثرا على السينما المصرية و الأدب العربي .. كتبت بعض مما تذكرت .. ولكن يبقي الكثير .. كنت أتمني أن أذهب اليه و هو حي و أقبل يده من فرط اعجابي بكتاباته .. و لكن لم تتسني الفرصة .. أنا فحسب أحتفظ بصورة له دائما في جيبي .. ليس لانجازه النوبلي الضخم فحسب .. ولكن لأنه شخص أدرك امكانياته .. و حدد هدفه .. و أخلص له .. بمنتهي الدقة .. خلف تأثيرا و انجازا .. و علم مجانين الابداع احترام الوقت .. و كانت حياته درس في النجاح و الكفاح و الوعي و الانسانية .. جزاه الله خيرا .. و رحمه الرب

Popular Posts

adf.ly

trafficrevenue

amung.us